د. علي حداد، أستاذ جامعي وناقد أكاديمي من العراق الشقيق. ينتمي إلى جيل الثمانينيات،
ويعكس شعرة أحدث موجة إبداعية في إطار قصيدة التفعيلة التي بدأت بواكيرها الأولى على ضفاف الرافدين.
وديوانه المنشور في هذا العدد من "غيمان" مكرس للقصائد التي كتبها مستوحياً المكان اليمني بتفاصيله الروحية والطبيعية. 
 

 

أكتبه... بغبطة طائر وإنصات دالية
ديوان المكان اليمني وأهله
(لقراءة المقال بصيغة أكروبات)

 

 

                                                      علي حداد                                                     

                                                 الـوعـــد

كما تنحني السنبلةْ

كما الصبح، يلقي السلام على وردة ذابلةْ

يعود البعيد... البعيد من الذكريات

التي لم تزل خضلةْ،

أرانا...

تلمّ المدارس أقدامنا، وتعلمنا

كيف نصغي لصوت المعلم

يفرش خارطة

يتدافع بين تضاريسها اللون والكلمات،

فتهمي على صحونا لجّة الأسئلةْ.

يقول لنا:

       ـ هاهنا يقع "الوطن العربي"

مساحة ما بين ماءين يكتنفان

حواشي أثوابه الدافئةْ.

وإذ ينحني

فتميل الرؤوس الصغيرة خلف عصاه

يقول المعلم:

       ـ هنا... في أقاصي التماثل بين المياه

وبين السماء التي ترتمي مثل ثوب شفيف

ترون "اليمن" (ويكسره الشجو)

وقد أصبحت يمنين:

       هنا اليمن الـ...

       وذي اليمن الـ...

       تدور العيون على محجرين

من القلق المتهافت

وتملأ أفواهنا غصة قاحلةْ.

       ـ لماذا، وهذي البلاد امتداد، وذاكرة ويقينْ؟

       ـ وكيف سينقسم "العرب العاربةْ"

عربين؟

وأين ستبسط "بلقيس" عرش جلالتها؟

ومن أيما موطن في خيالاتنا

سوف يؤتى لـ"سيف بن ذي يزن" بتواريخه؟

و"امرؤ القيس" في أي ماء قصائده المدعاة

تبدى له النسوة العاريات؟

هنا... أم هناك؟

ولكنّ صوت المعلم منهمك بالتفاصيل:

       ـ وتلك البلاد

تمدُّ شواطئها، فتجيء البحار إليها

لتغفو قليلاً،

ومن ثم تصحو، لتشرب قهوتها

وتغادرها وادعةْ.

وهذي البلاد

مسيل من الضوء والدفء

والخضرة الناصعةْ

تمر على صحوها تمتمات السماء

فيخضرُّ حتى الحجرْ

وتزهو بأشجارها واللبان الطريّ

ورائحة البُنِّ

تملأ خيشوم ما حولها باللذائذ

     .....

    ....

      والقاتْ...

تفزّ قناديل أصواتنا

وهي مسكونة بالتوهج:

ـ ما القات...؟

 أستاذ! أستاذ!

  ما القات...؟

ـ نبات يلوذ بأوراقه اليمني

لكي يتذكر... ثمّ لينسى!!

يندّ توزعنا... ووساوسنا

ولكن صوت المعلم يسبقنا:

ـ لينسى زحام التواريخ

تلقي بضاعتها عند أوجاعه الراهنةْ.

لينسى ملامح كل الغزاة، وكل الطغاة

الذين استبدوا بأيامه الواهنةْ

لينسى وجوه بنيه

وهم يرحلون إلى كلّ فجّ عميق

ولا يرجعون

لينسى الخرافة تجثو على بابه

وتطارد أحلامه

وتفاصيل سحنته... ولباسهْ

...

وينسى... السياسةْ.

هنا... تتكأكأ ضجتنا حوله

فيمسّد قاماتنا بتأمله قلقاً

ويلمّ طباشيره وخرائطه

تاركاً رجفة للسؤال على غضّ أصواتنا،

وفوق الأيادي

التي سوف تكتب درس القراءة واجمة

وتدلف درس النشيد مشردة،

نردد بعد المعلم:

"بلاد العرب أوطاني

   من الشام لبغدان

   ومن نجد إلى يمن

   إلى..."

ولكنّ رغو السؤال العنيدْ

الذي مايزال يقارع آذاننا

سوف يكسر إيقاع أصواتنا

ليذبل فيها النشيدْ.

يرانا المعلم منكسرين، فيهتف:

ـ لا... إنها يمن واحدةْ.

بلاد... تؤجج حكمتها

كلما سقطت نجمة الظن مقرورة.

بلاد...

بها ساحل البحر أقرب مما تظن النوارسْ

بلاد...

بها المطر الموسمي إذا ما استفاق

فسوف يشاكس كل الدروب، وكل البيوت

بطيش انهماراته الباردةْ

بلاد...

تحطّ الفصول على ذيل أثوابها دفعة واحدةْ

ليشتجر البرد والحر،

والصحو والغيم،

والأمس واليوم

وإذ يتعبون، يفيئون نحو "المقيلْ"

لتصفو أحاديثهم مثلما العسل "الدوعني" الأصيلْ.

يناقل صوت المعلم  فيض ابتسامته

بين هدئة أعيننا، واكتمال تأملنا،

ويضيف:

ـ اسمعوا يا صغار!

إذا ما كبرتم،

وسال الزمان على مهل بين أعماركم

فسوف ترون "اليمن"

بلاداً "تفيق على فجر يوم صبي"

وتستل من بين عتمة هذا الدجى

"فجرها المختبي"

وتكتب تاريخ وحدتها الأبديةْ.

وحين ترون طيور النبوءة تلك عياناّ

أضيئوا حناجركم، واصدحوا بالنشيد:

"بلاد العرب أوطاني

من الشام لبغدان

ومن نجد إلى يمن..."

 ويرفع سبابته:

 ـ واحد...

                                     صنعاء: 30/5 / 2008

 

                                  تجليات إب

هدوءً...

سنمسك أذرع صمت

تدلت لنا من ذوائب فتنتها الغافية

هدوءً...

سندخل فردوسها من مرايا الذهولْ.

 هدوءً...

سيبتدىء اللحن

تعزفه نسمة من برود  "السحولْ"(1).

سنوقظها

سنوقظ  إغفاءة من صبا مقلتيها

منداة بالكحل والياسمينْ.

دعوها تحرك أهدابها

مثقلات بعطر تلهفنا

وحين سيكتمل الألق الطفل

في شفتيها

ستسمع منا الذي سنقولْ.

          ***

مداها مدى من قناديل أزهارها

مداها مساحة ما يقطع الشوق

من لهفة بين عينين عاشقتين

مداها نسائم عافية

تتضوع  من قامة السندس المستديم

على كتفيها

 مداها الطيور

تصفق فوق سرير من المخمل الحضرمي

   مداها الجبال

   تدلت بأعناقها نحوها:

ـ اصعدي عندنا، أو نجيء إليكِ

  نشاركك الدعة المستفيضة

  فنجان شاي الصباح!

  مداها البكور

  وضجة باعتها المسرعين إلى السوق

  حيث البضاعة طازجة كالأحاديث

  وأطفالها

  واصطباحاتهم بالكرات

  تلاحق أقدامهم في شوارعها النادية

  ستصحو

لتفرش طيبتها للعيون المقيمة

عند تعرج أفيائها الجبلية

تجمع عشاقها

وتسقيهم خمرة من ترانيم

 مغسولة باكتمالاتها

وتفتح أبواب زينتها:

ـ تعالوا أشاطركم خضرتي

 وإذ ترتوون

 ارحلوا -ما استطعتم- إلى مدن

 تحلمون بها!

             ***

 وإبّ

 تمد الذراعين

 مشغولة بأساور خضرتها

 ذراعاً إلى قلبها "المركزي"(2)

 وأخرى إلى حيث أقدامها في "العدين"(3)   

 وتخطر مزهوة

 فتمد الجبال إليها لهاث التمني

 وتغمرها بالهدايا:

  الصخور التي تتساقط ناعسة عند أقدامها،

  الثمار التي تتناثر معلنة عن مسراتها،

  النجوم التي ضايقتها المصابيح

   من فوق "بعدان"(4)

   فاحتملت ضوءها

   لتدلف في خصلات الجميلة

   أو تتناثر من فوق إكليلها.

   عروس من الخضرة المستديمة "إبّ"

   فمن لا يراوده شوقه

   أن يغادر خطوته

   نحو بستان فتنتها الباذخة؟!

***

   نجيء إليها بأشواقنا

  على قلق من تواطؤ أيامنا والهواجس

  تلاحقنا وحشة الدرب

  مصفرة مثل نجم نحيل

  "أتحمل آنية العمر بقيا من الوقت

   متسعاً لهوادجنا تقطع البيد

   وما من حديث يفتت وحشتنا

   عن صباح جديد؟".

ـ عراقي أنت؟

  يسألني بائع "القات"،

  أومىء مبتسماً، وأغادره

  وفي داخلي

  تتدافع غزلان ذاكرة نافرةْ

  فتصحو بلادي التي تركت عطرها في ثيابي

  وطارت كسرب قطا.

  وتنهض من بين أرمدة العمر

  بيوت...

  وأهل...

  وأسماء من حملوا يأسهم للمقابر

  أو في ضباب الرحيل

  إلى مدن راودت رمل أحلامهم... فأتوها

  وأصحو على صوته عجلاً:

ـ تشتي القات...؟ هوذا الحلا!(5)

  سيأتي ببغداد

  يطرحها بين كفيك مثل الحمامة!

  أتأتي ببغداد...؟

  بيني وبين قلادتها تستطيلْ

  صحارى من المستحيلْ

  أنادي...

  فيهرب من شفتيَّ النخيلْ

  وأطلال أمس موشى بحزن عصافيرها المزغبةْ  

        ***

بُعيد الظهيرة

تعود المدينة مجهدة

لتجمع أشتاتها في "المقيل"(6)

وتترك للمطر المتناثر فوق عباءتها

أن يمسّد أقدامها بالضباب

ومن "جبل الرب"

 أرقب بعض الغميمات هاربة

 لتنزل قربتها متعبةْ

 تتوضأ من مائها "الصَّلَبَةْ".

 وعند اكتمال تألق ساعتها(7)

 في رذاذ الأحاديث

 يغادرها المطر المستفز

 ليبدأ عطر مساءاتها رحلة الانتشاء

 يداعب أطفالها بالنعاس

 ويترك نسوتها للمرايا

 وفي التاسعة

 ستطفئ "إب" مصابيحها

 وتندسُّ في سرر من زبرجد أحلامها

 وتترك في سلة الأمنيات لعشاقها

عطر صبوتها

 لتزرعهم تحت شباكها بالرغاب

علها تقرأ الشعر قبل المنام

 وحين يجف إناء المساء

 ويهبط مغتسلاً بالسكينة

 أترك هذه القصيدةْ

 تضيء قناديلها

 وأغادر ذاكرتي نحو فضة صمتي

 أعد السويعات

 منتظراً نأمة من ضياء يديها

 وإذ يتقوس سور الظلام

 ألُمُّ نثار القصيدة

 بين خوافي جناحين

 من قلق واشتياق

 وأغفو

 لأحلم أن ألتقي صحوها

 عند فجر جديد.

                                                     إب  3 1/3/ 1996

 

هوامش:

(1) واد خصيب اشتهر قديماً بنسج البرود.

(2) السوق المركزي للمدينة.

(3) واد خصيب يقع غرب المدينة.

(4) جبل مطل على إب من جهة الشرق.

(5) عبارة باللهجة اليمنية معناها: تريد القات؟ هذا هو الجيد منه.

(6) مجلس القات.

(7) ساعة النشوة التي يصل إليها من يتناول القات.

 

 

سُمَارة

سلاماً ألا أيها الجبل الشيخ! 

أتيناك مزدحمين بأشواقنا

وبعض الأماني القديمة

فاسمح لنا بالعبور

إلى مدن

أسلمتك مفاتيحها

ثم مدت فراش مساءاتها وغفت.

سلاماً ألا أيها الجبل الشيخ!

أتيناك

-نحن الذين سكنا مخاوفنا والسهولْ-

حقائبنا غربة لبست جلدنا لا تزولْ

وأشعارنا وحشة

دخلت -مثلما الملح- مائدة الروح.

سلاماً ألا أيها الجبل الشيخ!

أتيناك مختبئين بأحلامنا

تحت جلدين من قلق واحتراق

فدعنا نصالح أيامنا في رحابك

نعطر أثوابنا من ثيابك

نغادر أحزاننا عند بابك.

سلاماً ألا أيها الجبل الشيخ!

هلا مسحت بخضرتك المستفيضة أوجاعنا

وهلا أعنت على خطوة

لم تكن في دفاتر أيامنا

وهلا فتحت لنا باب طيبتك اليمنية

لنشرب من كأس حكمتك الجبلية!

***

 

 "سُمَارة" لم نره جبلاً

كان أفقَاً من الصخر

مدت له الخضرة المزدهاة

طراوة إصبعها

لتنزع قسوته

وتقيم على صدره

ضجة من عطور ولون

رأيناه يجلس فوق فراش من الأزمنة

تمر عليه التواريخ

ثم تغادره بالخطى العاثرات

وتترك فوق مجنته الصخر

آثار خيباتها

يا لهذا الوقور

يفيض إناء سكينته

فيشرب منه

الصباح

الرياح

الصخور

الطيور

وكل البيوت

التي تتدلى ثماراً على كتفيه.

ألا أيها الجبل الشيخ!

طاب صباحك

هلا أذنت لنا بالعبور!

تقول لنا الشمس:

ـ مروا على بقع الضوء

  منثورة فوق جلبابه واصمتوا!

  تقول لنا الريح:

ـ مروا على عطر حكمته وانصتوا!

  يقول لنا الغيم:

ـ مروا على ماء كفيه

  واغتسلوا من غبار مخاوفكم!

  تقول لنا الخضرة المزدهاة على جانبيه:

ـ اتركوا لمسامات أرواحكم

  أن تشمَّ مباهجه

  فهو يمنحها كل ما تشتهي!

  رأينا "سُمَارة"  

  يغلق باب الضياء

  على فيض قامته الجبلية

  ليغسل أثوابه بمزيج من الغيم والعطر

   ثم... 

  يمشط خضرته بالرياح

  التي تستكين على بابه

  وحين انتهى

  راح ينفخ بالغيم أنفاسه

  ثم يعصره كالثياب

  ليسقطه فرحاً فوق شعر "كتاب"(1)

  وحين استدار إلينا

  سمعناه يهمس:

ـ طبتم صباحاً

   أضيئوا قناديل أرواحكم

   ولا بأس من حفنة الخوف تسكنها

    فهو ما سيطهرها من وساوسها

  ثم يفتح كفيه

  يمسك صخرة رهبتنا

  ويلقي بها تحت أقدامه المعشبة.

ـ طبتم مروراً!

يقول،

يمد يديه لينثر دهشتنا

ويقتادنا في الدروب

التي تتلوى على حجره

ونصعد...

 يهبط شوك مخاوفنا بارداً كالتراب

ونصعد...

تمتد لهفتنا

لتعانق أجنحة الطير صافقة فوق شعفته

 ونصعد

تئن بنا المركبات

التي تتلها بأبواقها

                       نصعد

             نصعد

 ونصعد

وحين اعتلينا الطريق إلى وجهه

رأينا ابتسامته

وهو ينثرها كالهدايا على العابرين

يمد بساط مروءته والحكايات

ومن حوله الأودية

مريدون يصغون للجبل الشيخ

يسكب من ماء حكمته خضرة وحياة.

...

...

...

وظل يشاغلنا الجبل الشيخ

بالقصص الآسِرة

عن شجيراته والصخور

وتاريخ تلك الندوب

التي علمت ثوبه بتلاوينها الباذخة

وحين انتهى الدرب فينا

إلى عند أذياله 

قال: هذي "الدليل"(2)

وغادرنا ببهاء جليل

كانت الريح

مهراً تصاهل بين يديه

وكان يلوِّح بالخضرة الباذخة

وينثر خلف خطاه ظلالاً لقامته الشامخة

وحين ابتعد

اشتعلنا برغبتنا للكلام.

سلاماً ألا أيها الجبل الشيخ.

سلاماً

سلاماً

 

                                                             إب  3/5/1996

 

هوامش:

(1) بلدة صغيرة تقع أسفل "سمارة" من جهة الشمال.

(2) قرية صغيرة تقع أسفل "سمارة" من جهة الجنوب.

 


                           عشرة بحار وعدن واحدة

تمشي على البحر

بحر فوق صبوتها

بحر مشى معها

 بحر ترجل منها نحو زرقته

بحر تمرى ببحر فوق مئزرها

بحر تناءى بها عشقاً... وأسكره

طير على شفتيها أخضر.. غرد

بحر مضاع، وبحر ضاع خاتمه

في مرج ضحكتها

فسأل محترقاً، وقال:

معشوقتي! لو فيك.. ما أجد

أجيئها

لأغسل الروح في فنجان رقتها

فتنزوي مدن الصحراء تحت لساني

وتستفيق فراشات لها بفمي

وتستوي لغتي

تفاحة امرأة

تأتي على يدها من غامض الحلم

أقول محتفياً، والبحر طوع يدي:

 إيقاع هذا "البسيط" أليف

تعالي كي نؤججه، بما نود

لي منه رجع الندى

ولكِ منه ما للزنابق -وهي راقصة- في الندى

عدن...

بنت تلك السلالات من أزرق الماء وأنوثة أمواجه

الدافئة

خلق الرب بحراً فسيحاً

ومن ضلعه خلق الأرض

ثم حط على موضع بين ماءين

أقداس كلمته

قال:

 كوني! فأنت بلاد

تبلل أقدامها -كل يوم- بماء القصيدة

آيبة نحو هذا التناص اللذيذ

مع الأبنوس المصفى بقامتها.

مرة

قال جدي الذي أدمن البر

واختار للبحر

طيات تلك الحكايات عن مدن

في الخيال:

 عدن كمواويل بحارة الليل ليست تُمَل.

ثم أردف مستدركاً:

وهي مثل النساء الجميلات

(يكسرن قلبك... ثم لا يجبرنه)

بابتساماتهن

ولكي لا تفرين من صوته

مثل فاختة ناضرة

أغمض عينيه، وانسل نحو حكايته باسماً.

عدن

قَدَرٌ بين عينيك مشتعلٌ

كلما جاءك الليل محتشد الشهوات

وبهيئة لص القرى النائية

تدلَّه في كرنفال شواطئك الذهبية

وألقى بعدته متعباً، وغفا.

كلما مرتهيك

في عوسج للغوايات مشتبك

غيض به الظن

حتى تراجف فانوسه، وانطفا.

كلما ابتعد البحر عن شفتيك

استبدت به غصة

وغادره قمر

كان يرعى بقطعان أمواجه، وجفا.

كلما كسر الحزن مشكاة صوتي، أقول:

  عدن...

فتجيء نوارسها -الكلمات-  مغردة

في يدي أحرفاً... أحرفا.

هكذا أنت:

ليل مضاء بعزف المجاديف

تغسل للموج وحدته

بحر سيغفو قليلاً، وهو يسمعكِ

وذوائب أغنية

 مشطتها السواحل بالألق العدني

وبعض الذين يجيئون من طحلب البرد

متجيرين

بالسلسبيل الذي بين عينيك

يغسلهم من غبار الوظيفة.

هكذا أنت:

عاشق وله بمراسيم طيبتك الأزلية

وعاشقة لم تنم

أصغت إليَّ طويلاً

وهي ممعنة، بحسنها لينهمي:

شوقي وفتنتها

بحرين في يدها

وشاعر مفرد تجتاحه لغة البحر

تأخذه من مباهجه

وتحط حمامات توديع على كتفيه

 وموجة في مدى البحر تجلو محاسنها

وتحدثه: 

  عدن

ملتقى الماء والحلم الغض

والأحاديث الطازجة، مثل أسماكها

والأغاني

التي فلق البحر حبتها بالمبتهج

ما مشى الضوء إلا ليغمرها بالقبل

ما تنهاى إلى حضنها الليل

إلا ليندس في شعرها عطر فل

 ما تسامى للألاء قامتها طائر ونزل

 ما تذوق عاشقها تين أسرارها ورحل.

  

                                                                    عدن 23/2/ 2004

 

                                       أسمار تعز 

   ـ موال:

             نأوا كنجم نأى، يا قلب، عنهـم تعـز

              أدريك تعشقهم، أدري لهم كم تعز

              لكنّ طـول الشجى ذلّ، ولـي أنت عز

                                    دعهـم وما أشعلوا فينا ولُذْ بالصبر

                                    واصدح بترنيمة خضراء يأتي "صَبِر"

                                    لكي يواسي العراقي الذي كم صبر

                                    إن أوصدت قلبها بغـداد... تأتي تعـز.

                                                    ***

أقول: سلاماً!

فأوقظ عوداً

وذاكرة للغناء

وصحو ندامى

لـ"تعز"

التي تتمرى بطيبتها

لشوارعها

وهي تمتد مثقلة بغبار التواريخ

لمآذنها

وهي تحضن فيروز أحجارها المزدهي بشفاه التراتيل

للصبايا تناثرن في سطح "صبر"

يرتقن حزن الغريب برائحة الفل

 لـ"صبر" الذي لا يغادر معشوقةً

حطها الرب بين يديه

 

فراح يمشط أيامها

بأنامل من خضرة ومياه

ويحرسها من شجى الليل

ومن إصبع الريح

تخدش بسمتها

ومن نزغة في القلوب التي لا تجد الغراما.

            ***           

لـ"تعز"

المحناة بالفلق الأزلي

لكل البهاء

الذي يتناثر من نهدات المكان العتيق

وقد جلست "تعز"

تنسجه في ثنايا الحكايات

صفين

صفاً أغاريد، وصفاً يماما.

            ***

لـ"تعز"

التي تعرف السر

سر الكلام المعلق

بين ازدهاء ملامحها كالعقيق السماوي

وبين القلوب

التي كلما هدأت نار أشواقها

ستجيء إليها

لتبوح لها

بالذي يشعل الوجد في صوتها

فتطيل الكلاما.

              ***

لـ "تعز"

التي لا يفارقها حلمها

لصباح ندى

ونهار عدا

ومساء بدا

لكل القصائد

وهي تجيء على أليق مما نظن

فهي تهمي

معطرة باكتمالات "تعز"

وبالشجو هيج... فقاما.

          ***

لـ"تعز"

التي ستجيء إلى دفء هذا المكان

فتجلس في أي صف هنا

وعلى أيما مقعد بيننا 

لتسمع  ما يتأجج من بوحنا

فهي تعشق كل الكلام المؤثث بالحب شعراً ونثراً

 لتختار منه الذي ستلونه بتفاصيل أيامها

فيغدو احتفاءً بها وحدها 

حيث سار... وحيث أقاما.

            ***

لـ"تعز"

المنداة بالسوسن الجبلي

تجيء غوايات هذا الغريب

وأشجانه

فتطق أبوابها

وتهمس:

طبت ضياء

وطبت مساء

وطبت قلوباً

معلقة بكنايات ترنيمة لم تنم

وطبت مناما!

           

                                                                                         صنعاء 28|5|2005                        

 

 

                                صنعاء... قافية وشجون

سماءْ

وأرض بلا ماء 

إلا الذي يتدلى لها من يد للملائك خضراءْ

وعشبة أزمنة

يتنهنه في يدها صحوها

ونجم سيكمل دورة أفلاكه

ثم يلقي بأحماله لغة من ضياءْ

وتكمل كفّ الطبيعة مشهدها

حين تلقي على ثوبه حفنة من... غناءْ.

                     ***                  

تقول الروايات: ذات أصيل، أتى فارس من سلالة "نوح"(1)على صهوة

من تشاجر أقداره، واعتلى ربوة مشمسةْ، فصادفه جنتان هناك،

 بفاكهة، وعيون، وضوع من العطر منتشياً بتفرده، وأين استدار يرى الضوء والريح يقتسمان التفاصيل من دونما منةً، ويرى الأرض مشغولة بشتاء وصيف يجيئان منسجمين على غيرما موعد، فاستطاب المقام هناك إلى آخر العمر,

وآجرَّة فوق آجرَّة

وذاكرة تتمرى بذاكرة

وروح تكرر آلاء أسلافها

استقامت له بلدة من تلاوين أحلامه.

قال: ماذا أسميك؟

ردت الأرض مزهوة

ردت الريح هامسة

ردت الطير نشوانة البوح صنعاءْ.   

               ***

  على بعد قافلة من شجونْ

 وبين تدافع كفّ اليقين مع اللا يقينْ 

 يجيء إليها بداة

 تؤججهم مفردات التأمل

 ليسّاقط الرمل من بين أثوابهم.

ـ ما رأيتم؟

يقولونْ:

ـ رأينا تخوماً

  تمد أصابع خضرتها

  باتساع المدى والظنونْ.

 ـ رأينا فضاءً من اللازورد

  يخاتل حنجرة الصحو في كل حينْ.

ـ رأينا بيوتاً

  تدلت على جيدها حكمة فاتنةْ

  فراحت تعيد إلى الضوء إيقاعه الشاعري. 

ـ رأينا جبالاً

  تغادر كل متاعبها في المروج المحيطة

  وتأتي،

  لتحرس دفء المدينة من رغوة الليلْ.

ـ رأينا مسيل عطور  

  لامرأة "هبطت في ثياب الندى

  ثـم صارت مدينة"(2).

                ***

  تضيف الروايات (كي تلفت الانتباه):

  وحين ترون الصخور، وقد رصّعت كل حاراتها، فاعلموا أن

  ما تطؤون لهاث نجوم، أتتها سراعاً، تقبل أبوابها، ثم

  تدخلها، لتنام على جسد الطرقات، فتصقلها روح هذي

  المدينة بالدعة المرمرية... والانتشاءْ.

                 ***

 ...

 ...

 ...

  ستغفو على صدر هذي المدينة أزمنة

  تشاكس ما تدعي أزمنةْ،

  تهيم على ضغث أحلامها أزمنةْ.

  وحين يفيق امرؤ راهن الوقت

  من عنفوان تأمله

  ستكسره ضجة قاحلةْ

  وتصهل في فمه الأسئلةْ:

ـ مداك بهاء من الأبجدية لا ينطفئ

   فكيف تفشت على ماء صوتك

  حشرجة للبداوة... مثل الوباء؟!

ـ وهذي الجبال الترابية الظن

  حتى متى ستحدّق فيك

  وأنت تعيدين لحناً خفيضاً... من الكبرياء؟!

ـ لماذا أكرر نفسي (يسائل ورد البساتين أغصانه)

  ولا أحد يقرأ الوقت والعطر في شفتيّ

  ولا أحد يتعلم قدسية الانتماء؟!

ـ لماذا "الدواشين" لا يدركون من الليل -ليلك-

  غير تلعثمه

  حين يسقط من فوق سورك مرتجفاً

  كغرابيب سود

  ليشعل وحدتهم

  بلسعة ظن تباغت أنفاسهم... كالنساء؟!

ـ لماذا يجئ نهار... ويمضي

  ويأتي مساء... ويمضي

  وسقف أمانيك جد خفيض

  أماسٍ مبللة بالأحاديث طيعة

  وحزمة قات

  وبعض الأخلاء؟!

ـ لماذا تضيق اشتهاءات ضوئك بالطيبين

  وتترك أبوابها مشرعات

  لمن تتصافق من فوق سحناتهم

  تمتمات الهباء؟!

ـ لماذا...؟

ـ لماذا...؟

ـ لماذا...؟

             ***

  وإذ تستكين اشتجاراته

  يلوذ  (الغريب) بروح المدينة

  بيضاء من غير سوء

  ويوقظ ذاكرة

  بقامة هذي الأصيلة (صنعاء)

  وفوق جناح لترنيمة لم تنم

  سيلقي بكل الذي يتهامى على بوحه

  في يقين أخير

  يهامسه بالغناءْ:

ـ لصنعاء

  لسمارها الآيبين إلى حسن هندامها

  لكل شوارعها تستضيء بأحجارها

  لزخرف أحلام نسوتها

  وللقادمين إليها

  وللطارئين عليها

  وللراحلين إلى مدن غيرها

  وللممسكين يديها بخوف الطفولة

  لسوف يواصل هذا الشجيُّ تباريحه

  بصوتين:

  صوت من العشق يعرفه أهله،

  وآخر مستوحد... كالمساءْ.

                  

                                                           صنعاء: 25/10/2008

 

هوامش:

 (1) تذكر الروايات أن "سام بن نوح" كره السكنى في أرض الشمال فأقبل طالعاً نحو الجنوب يرتاد أطيب البلاد، حتى صار إلى أرض اليمن التي اختار من بينها "صنعاء" موطناًً لإقامته.          

(2) من شعر الدكتور عبد العزيز المقالح.

(3) هم فئة في المجتمع اليمني يتميزون بالتمرد على الواقع والبداهة المثيرة وسلاطة اللسان في نقد كل ما تقع عليه عيونهم من ظواهر ومواقف، مستفيدين في ذلك من مقدرة عالية على حفظ أنواع الشعر الشعبي ونظمها.