العدد الثاني - ربيع 2007م

   
 

دراسات
 

  

بعض الملامح السندبادية في الخطاب الشعري العربي المعاصر- التوظيف غير المباشر

 

                                                                                    محمد عبد الرحمن يونس

 

            تعمل الأسطورة على إعطاء تفسير شبه منطقي لتجارب الإنسان في حياته  اليومية(1). ولذا فهي تنموعبر الزمن مع امتداد تجارب هذا الإنسان داخل فضاء هذا الزمن، وهي ترافق تاريخه ماضياً وحاضراً. واستخدامها في كثير من الأحيان يكون ذا قيمة تاريخية؛ لأنه يشير إلى المواقف التاريخية ومعادلها في الحياة الإنسانيّة المعاصرة. ويعتقد كلود ليفي شتراوس(2) بأن »التاريخ في مجتمعاتنا)...) قد حلّ محل الميثولوجيا،
وهويؤدي نفس الوظيفة
«. وتوظيفها في الخطاب الشعري العربي المعاصر يعمل على تعرية التاريخ، ويشير إلى الممارسات اللاّإنسانية ضدّ الإنسان في تاريخه الطويل؛ ولذا نجد كثيراً من الشعراء يستخدمونها كأداة معرفية لإدانة الهزائم المتلاحقة التي رافقت تاريخ الإنسان ماضياً وحاضراً. ولا يخلو هذا التوظيف من رؤية أيديولوجية تظهر في بنية خطابهم الشعري. وعلى الرغم من رفض كثير من الشعراء المعاصرين لخطاب الأيديولوجيا وبنيته المعرفية، أثناء تنظيرهم لحركة الشعر العربي المعاصر وقضاياه وفضاءاته اللغوية والمعرفية المتعددة، فإن هذا الخطاب كان يظهر في أعمالهم الشعرية، وبشكل واضح أحياناً ومرمّز أحياناً أخرى، ولم يستطيعوا التخلص من قسمات هذا الخطاب، حتى يمكن القول إنّ قدر القصيدة العربية المعاصرة في صراعها مع الواقع، وبنيات هذا الواقع الفاسدة سياسياً واجتماعياً، أن ترتبط بالأيديولوجيا ولو مرحلياً. ولا أقصد الأيديولوجيا التقريرية الخطابية، ذات الصراعات الحزبية والسياسية، بل أقصد الأيديولوجيا كبنية معرفية وثقافية. وعندما يصبح الواقع المعاصر أكثر نقاءً، والإنسان فيه أكثر حرية وكرامة، عندئذ قد تتخلى هذه القصيدة عن اتكائها على الأيديولوجيا كمرجع، وكفضاء ثقافي ومعرفي تنهل منه. ويرى رولان بارت أنّ النص بحاجة إلى الأيديولوجيا التي هي ظلّ له. يقول(3): »بعضهم يريد نصّاً (فنّاً، لوحة) لا ظلّ له، مقطوع الصلة »بالأيديولوجيا السائدة«؛ ولكنّ ذلك يعني أنّهم يريدون نصّاً لا خصوبة فيه ولا إنتاجية، نصاً عقيماً(...). إنّ النص في حاجة إلى ظلّه، وهذا الظل هو قليل من الأيديولوجيا، قليلٌ من الذات: أشباحٌ، جيوب، نُثار، غيوم ضرورية

            ومن الشعراء الذين يستخدمون فكرة الأسطورة لإدانة تاريخ الإنسانية المعاصر، الشاعر المغربي بن سالم حميش.

            يقول في قصيدة بعنوان »ميتاً في شواطئكم«:

                                    حيث لا ينفع الغيث لا ينفع

                                    لم يعد في وسعي سوى اجترار محراثي

                                    في الطرق المعبّدة والصّحارى

                                    وأصقاع هذا البلد الضّنين،

                                    وبين الكبوة  والكبوة

                                    أحكي الجسم الجائع

                                    أكتب بالصوت بالصوت تاريخ السلب والفجيعة

                                    أكتب الكوارث الكوارث

                                                وأحدّث

                                    أحدثكم عن مطافي في الأرض الجدباء

                                    (بعد ما فُصلت عن التربة الخصبة والماء)

                                    وأحدّث عن نهاية مطافي

                                    ستجدون ميتاً في شواطئكم

                                    بين محراث ومبخرةٍ وغراب«(4).

            كلما كانت الأسطورة ذات صلة حميمية بالمتلقي، صارت أقرب إلى مكنونات نفسه.
وأسطورة السندباد من أكثر الأساطير الإنسانية حميمية وقرباً إلى النفس البشرية؛ باعتبارها معروفة عند معظم البشر من القرّاء والمثقفين، وباعتبارها أقرب إلى الحكاية الشعبية،
وجموح خيالها العفوي؛
»فالحكايات الشعبية ببساطة هي أنماط مجردة وغير معقدة،
ويسيرة التّذكّر، ولا تقف في طريق فهمها عقبات اللغة والثقافة، كما لا يتوقف تدفق الطيور المهاجرة عند إجراءات ضبّاط الجوازات في الموانئ والمطارات. وتتكون من موضوعات دالّة
Motifs ذات تداخل متباين ومتمايز، بحيث يمكن حصرها وتوظيفها«(5)
.

            قد يقول قائل: إن القصيدة السابقة من النثر البارد، فضلاً عن إلى بعض العبارات التقريرية والألفاظ المكرورة التي لا تحمل سمة الشعر، وأن صاحبها غير معروف على الساحة المغربية والعربية كشاعر مبدع، وبالتالي لا تصلح نموذجاً للدراسة.

تلك أمور لا أنوي الخوض فيها؛ لأنها تتعلق بقضايا الشكل الشعري. إن ما يهمني في هذه الدراسة قضايا المضمون بالدرجة الأولى وتحديداً الملمح الأسطوري وامتداده وتشعّبه داخل فضاء الرؤية الشعرية، لا باعتبار النص الشعري بنية شكلية وموسيقية إيقاعية، بل باعتباره بنية مضمونية. والسؤال الذي يمكن أن يطرح نفسه، وهوما يهمني هنا: هل استفاد الشاعر بن سالم حميش في قصيدته » ميتاً في شواطئكم  «من الموروث الأسطوري ووظّف أسطورة أوحكاية السندباد؟

إنّ الاستعمال النصّي المباشر للأسطورة لا يظهر في القصيدة. لكنّ اختفاءه لا يعني عدم وجوده؛ فثمّة مؤشر قوي يشير إلى أنّه استفاد من أسطورة السندباد في ترحاله وتطوافه. ويطلق نورثروب فراي على هذا الاستخدام الأسطوري غير المباشر اسم
"الاستبدال"
Displacement (6).     

إنّ تطواف الشاعر في الأرض البعيدة الجدباء، يشير إلى الرحلة السندبادية إلى بلدان نائية في أطراف الأرض. ورحلة السندباد الشاعر هي رحلة كشف إلى أعماق التاريخ الإنساني، ورصد للهزائم والمآسي الفاجعة التي أصابت ولا تزال تصيب الإنسان عبر سيرورته، فالإنسان في عالمنا مقموع أنّى وجّه طرفه، فشلٌ وإخفاقات على شتّى أصعدة حياته، حزن أسود يسِمُ حياته المعاصرة برمّتها، وتتجسد الرؤية السندبادية المعاصرة للتاريخ المعاصر بأبعاد ثلاثة: الجدب، الموت، والكوارث، وما يرافقها من دلالات لغوية مقاربة لها. فتاريخ السلب والفجيعة في الرؤية الشعرية يفقد الغيث قدراته، سواء على مستوى الخصب والعطاء، أم على مستوى التبشير بمستقبل يحمل إرهاصات التحوّل والولادة الجديدة.

            إنّ الرؤية السندبادية المعاصرة تكشف مدى بؤس الإنسان المعاصر ومعاناته القاسية داخل التركيبة الإجتماعية بقيَمها ورؤاها، حيث يعايش هذا الإنسان حالة استلاب قاسية تصل حدّ الفجيعة. ومهمة الصوت السندبادي إدانة هذه الحالة الفاجعة: »أكتب بالصوت بالصوت تاريخ السلب والفجيعة«. ولماذا يُستلب الإنسان داخل هذه التركيبة الاجتماعية؟ إنّه التفاوت الطبقي والاجتماعي في مجتمع يقوم أساساً، في تركيبته، على تكريس هذا التباين، حيث استغلال الإنسان للإنسان، وتزايد ظاهرة الشرّ والجوع والفقر. هذا التفاوت الحاد يفرض الاستغلال، الذي بدوره يولّد مرارة وإحساساً بالظلم والفجيعة. فالّذين، يبنون الحياة بشرف ينزوون مرميين على هامشها، لا يكسبون إلاّ اليأس والفتات في » بلد ضنّين«، على حدّ تعبير الشاعر. لا يقرر النص الشعري ذلك علناً، وليس من مهمته أن يقرّر الرؤى السابقة، لكنّه يقتبس منها ويحيل إليها بشكل رمزي؛ فالنص "هونسيج من الاقتباسات والإحالات والأصداء، وأعني من اللغات الثقافية السابقة أوالمعاصرة التي تخترقه بكامله(…). أمّا الاقتباسات التي يتكوّن منها النص فهي مجهولة الإسم ولا يمكن ردّها إلى أصولها. ومع ذلك فقد سبقت قراءتها. إنّها اقتباسات لا تقدّم نفسها كذلك ولا توضع بين أقواس" (7).

            إنّ قصيدة الشاعر بن سالم حميش بالرغم من بنيتها المشحونة بالسوداوية واليأس  والفجيعة، فإنها ذات رؤية إنسانية؛ لأنّ الصوت السندبادي فيها يقف شاجباً ومعرّياً تاريخ السلب والفجيعة. إنّه العين التي رأت وكشفت، ومن ثمّ أدانت الزمن المستلب الغارق بالكبوات والكوارث. إنّ الرحلة السندبادية هنا ترفع شراع الإنسان ورايته، باعتباره هدفاً أسمى. فيلتزم الصوت السندبادي بالكتابة لأجل الإنسان المفجوع، ويقدّم رؤيته للأرض القاحلة الجدباء. هوصوت ثائر يقف رافضاً الزمن الغارق بالبؤس. لكنّه في نهاية المطاف جزء من الثورة العربية المُجْهَضَة في جميع أحلامها وتوجهاتها. ولذا فهو في نهاية الرحلة يموت على رمال الشاطئ قبل أن يوقظ المدينة الغافية. وفي القصيدة يُفجع التاريخ المعاصر بأبنائه المنتقلين من كارثة إلى أخرى، التائهين في الأرض الجدباء. هذا التاريخ الأسود لأمّة متراجعة على جميع الأصعدة، الحرب، والفكر، والاقتصاد، والسياسة، وما يرافق هذا التاريخ من هزائم وخيبات تحاصر الذّات العربية في كل الأزمنة والأمكنة المعاصرة. ومهمة الصوت السندبادي أن يعيد للحياة توهجها وإشراقها، وأن يدخل بها إلى زمن الولادات الصحيحة، زمان الخصب. إنّه يعرّي الأشياء، يسمّيها، دون لجوء إلى زيف أو مراوغة أو تضليل. فـ»في التسمية قد تنتصر على الأشياء، لأنّك بذلك تفهمها، تقيّمها. وبذلك تفعل، كأنّك تدعوإلى تجاوزها بخلق أشياء جديدة أخرى«(8).

            إنّ رؤية الشاعر تنبثق من تلك الهوّة الفاصلة بين ما هو قائم، وبين ما هو مرجو حصوله في المستقبل. إنّها تحمل همّ إعادة تشكيل الحياة والعلاقات، وصياغتها وفق بنى سليمة.  والتوظيف الأسطوري غير المباشر، هنا، يساير حركة التاريخ ليدلّ عليها من حيث الرؤية المأساوية المتجسّدة في فشل طموح السندباد المعاصر في التواصل في الزمان الأسود، زمان التاريخ المخطوط بالفواجع والسواد.

            ونأخذ نموذجاً آخر من النماذج الشعرية المعاصرة، التي استفادت من الرحلة السندبادية، وهوللشاعر سليمان العيسى. يكتب الشاعر سليمان العيسى قصيدة بعنوان »السندباد يروي حكايته الثامنة«. وهو لا يعني فيها إلاّ ذاته الشعرية المستكشفة لبنيات الخطأ والصواب في العالم العربي من خلال أعماله الشعرية الكثيرة، باعتبارها تشكّل عنده ذاتاً عالمة عارفة بمجتمعها وبنياته، وتاريخه التراثي والثقافي. هذه الذّات التي تسافر إلى أعماق التراث الشعري العربي عبر رحلة مضنية يحفظ فيها الشاعر سليمان العيسى آلاف الأبيات الشعرية، ثم يبدع آلاف الأبيات الأخرى من خياله الإبداعي الجامح. ورحلة هذه الذات هي رحلة لبناء الوطن الكبير كما يؤكّد الشاعر. يقول في القصيدة:

                                    سافرت تحت التين والرمّان والزيتون

                                    على جواد عنترة

                                    والملك الظّاهر والكتائب المظفّرة

                                    مررت بالمعلّقات العشر،

                                    بالنّفائس المدّخرة

                                    حَفِظْتُ من أبياتها الآلاف

                                    أضفْتُ من خيالي الآلاف

                                    أحسست أن رأسي الصغير

                                    يخترق الغيوم

                                    يدق بالنجوم

                                    يبني بجذع التينة الصفراء،

                                    يبني الوطن الكبير (9).

            هذه الذّات تسهر وتبدع وتشكّل القصائد الجميلة، وتقرأ -باجتهاد وتعب- التراث الشعري العربي، من المعلّقات العشر إلى المتنبي فأبي تمّام. لكنها تستكشف كيف أنّ الشعراء العرب يبيعون قصائدهم، وتنحني شفاههم لتقبيل أحذية الحكّام تملّقاً ورياءً، إنّهم يسألون العطاء  بذلٍّ  ومهانة، وبلا حياء. ثم تعود هذه الذّات باكية هذه النماذج الشعرية الرائعة الّتي تفقد روعتها وجمالها لأنّها مكتوبة لأجل خليفة أو حاكم.

            يقول الشاعر في نفس القصيدة:

                                    سهرت حتى تعب السّهرْ

                                    على جفوني، واشتكى القمرْ

                                    سهرت في مناجم العظامْ

                                    في المتنبي، في أبي تمّامْ

                                    رأيت كيف تنحني الشفاةْ

                                    وتسجد الجباهْ

                                    على حذاء "صنمِ"

                                    على خيال درهمِ

                                    تسأل، تستعطي بلا حياءْ

                                    تمرِّغ السماءْ

                                    في العتبات، السّود والبيض على السّواءْ

                                    وعدْتُ أبكي روعة النّغمْ

                                    يذوب في »صنمْ«

                                    يُعملق القزمْ

                                    وفي يديه أبداً سؤال

                                    ومدحةٌ.. تستمطر النوالْ (10).

            وبعد رحلته الجّادة والصعبة في مناجم العظام، والتي تشير إلى موقفه باعتباره شاعراً ملتزماً وهب نفسه للعلم والمعرفة والشعر وحبّ الوطن - كما تفصح ذاته الشعرية من خلال القصيدة-  يكتشف وبدهشة بناءً يغيب في الفضاء، ويطاول السماء. هي الدهشة السندبادية التي كانت تصيب السندباد عندما كان يصل إلى المدن البعيدة، ويكتشف عظمتها وبنيانها الرائع. »ولم يزل الفلك منحدراً مع الماء الجاري(...)  إلى أن رسا بي إلى جانب مدينة عظيمة المنظر، مليحة البناء، فيها خلق كثيرون«(11).

            ويشير الشاعر سليمان العيسى بهذا البناء الفذّ الذي يكتشفه، إلى الشاعر أبي العلاء المعرّي، الذي يجد العزاء عنده، باعتباره صاحب رؤية شاعرية شامخة، ولأنّه لم ينحنِ لطاغية أومتسلّط؛ فهومنارة الشعر العربي المضيئة، ومدينته التي يستمد من نورها الإبداعي والمعرفي، كل من جاء بعدها، ومن يجيء.

            يقول الشاعر في نفس القصيدة:

                                    وذات يوم راعني بناءْ

                                    يغيب في الفضاءْ

                                    يطاول السماءْ

                                    كان بلا رفاق حسان

                                    بلا نقوش تزحم الجدران

                                    كان البناء الفذّ من حصير

                                    وظامئين ازدحموا

                                    وفي العيون نهمُ

                                    يصغون في صمت إلى ضريرْ

                                    يشمخ كالتاريخ، كالمنارْ

                                    يوزّع الأبصار

                                    وأبداً يضيءْ

                                    لكلّ من جاء، ومن يجيءْ..

                                    ينداح في الزمان والمكانْ

                                    ينداح من معرّة النعمانْ (12).

            وإذا كان السندباد البحري في الأسطورة يعود سالماً غانماً، يعيده الشوق الجارف إلى بغداد وفضائها الجمالي، بخلاّنه وجواريه وقصوره؛ فإنّ الشاعر سليمان العيسى يعود من رحلة الخلود والبحث والمعرفة إلى بلده شريداً طريداً، هذا البلد الذي يشير به إلى فضاءات العالم العربي بمدنه وبلدانه، ليجد في هذا العالم الأسوار والعوائق، عندئذ يشتعل الشاعر ثورة ونقمة على هذا الحاضر الذليل، الحاضر الجثّة الميتة بتسميات الشاعر. يقول:

                                    وعدت من مناجم الخلود

                                    مشرَّداً عن بيتي القرميد

                                    في بلدي طريد..

                                    كيف يكون المرء في منزله طريداً؟

                                    كيف تدقّ رأسه الأسوار والحدود

                                    أنّى مشى.. الأسوار والحدود

                                    في وطن الآباء والجدود؟

                                    كيف؟ سؤال لم يزل يرود

                                    أعماق أعماقي بلا جواب

                                    وإنني لأعرف الجواب

                                    أعرفه.. لأنّه أوضح من نهار

                                    أعرفه ما دقّت الأسوار

                                    رأسي الذي يرفعه إعصار

                                    من ألمٍ، من نقمةٍ، من نار

                                    لكي أقول: لا،

                                    لهذا الحاضر الذليل

                                    لكي أهزّ الجثّة، القتيل (13).

             وعبر رحلته الطويلة في ذاكرة التراث الشعري العربي قديماً، وبعد عودته حديثاً إلى حاضره الذليل، وجد أنّ هذا الحاضر هوالآخر محكوم بالدمى التي تحولت إلى آلهة رفعها »الحواة« وقصائد المديح المبتذلة فوق عروش هذا الحاضر. هوالشاعر الملتزم الذي رفض أن تثيره أية دمية يعلوها تاج - كما يؤكّد - في هذا الحاضر الذليل، وبالتالي هويعلو- ضمنياً - على شعراء حاضره وزمنه، ويرفض أن يحوّل شاعريته التي حفظت آلاف الأبيات،  وأبدعت آلاف الأبيات الجديدة، إلى سلّم وظيفي تصعد عليه هذه الدمى إلى عروش السلطة والحكم، ومن ثمّ تعبُّ في دمه، ودماء أهل المعرفة، والمبدعين أمثاله. يقول في نفس القصيدة السابقة:

                                    رأيت ألواناً من »الدُّمى«

                                    يرفعها »الحواة« حتى تنطح السما

                                    يرفعها »الحواة «فوق الحكم والعروش

                                    ما أكثر الأرباب والعروش

                                    فوق ثرانا الطيّب الحزين! ‍

                                    يسارها المحموم كاليمين

                                    قطيع جائعين

                                    لمقعد أذلّ من وَتِدْ

                                    على حطام الوطن اقتُعِدْ

                                    ولم تثرني »دمية« بتاج

                                    تعبُّ في دمي (14).     

           

            وأعرض نموذجاً آخر من التوظيف الأسطوري غير المباشر لشخصية السندباد الأسطورية، وهوقصيدة بعنوان "السفر"، للشاعر اللبناني يوسف الخال. وفيها يوظّف أسطورة السندباد دليلاً على تأكيده أهمية الحضارة والفكر الأوروبيين. إذ يؤكّد يوسف الخال ضرورة الانفتاح صوب العالم الأوروبي، وتمثُّل ثقافاته وأفكاره، وتبادل التأثير
والتأثّر معه.

            من المعروف أنّ لبنان أكثر البلدان العربية تفاعلاً مع حضارة أوروبا وتأثّراً، بها سواء على مستوى التجارة أوالثقافة. وعلاقات لبنان الثقافية مع أوروبا علاقات وثيقة؛ إذ أنّ تأثير الثقافة الأوروبية على الفكر والأدب والفن في لبنان، أعمق من تأثيرها على بقية بلدان العالم العربي. هذا إذا استثنينا تونس والجزائر والمغرب بعلاقاتها المتميّزة مع أوروبا، بحكم موقعها الجغرافي من جهة، وبفعل الإستعمار الفرنسي والإسباني من جهة أخرى، وبفعل حركة الترجمة الناشطة والمزدهرة في هذه البلدان، وبخاصة في العشرين سنة الماضية.

            إنّ العلاقات الثقافية بين لبنان وأوروبا هي: 

 »علاقات ترجع إلى القرن الثاني عشر، حين استولت فرنسا على جزيرتي قبرص و رودوس، فازدهرت فيهما الفنون والآداب الفرنسية، وهبّت رياحها على لبنان بحكم قرب الجزيرتين من الشاطئ اللبناني، ثم بحكم ما في الثقافة الفرنسية ذاتها من قابلية للبحث والالتقاط. ثم أخذ نفوذ الثقافة الغربية في لبنان يميل إلى الشمول في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولم يعد مقصوراً على الثقافة الفرنسية. ويرجع السبب في هذا إلى انتشار الكليّات والإرساليات والمدارس الدينية التي تنافس المُرسلون من اليسوعيين والأمريكيين على إقامتها في بيروت والجبل. وقد كانت هذه المؤسسات التبشيرية بالغة الأثر في النشء اللبناني، من حيث عملت على تثقيفه على الطرائق الأوروبية وتوكيد الصلة بينه وبين الآداب الغربية. وبعبارة أخرى: خلقت من بعض اللبنانيين نمطاً أوروبي الفكر والثقافة. ومن ثمّ تعمّقت تلك الهوّة بين الثقافتين العربية والغربية في لبنان، ووصل الأمر بينهما إلى حدّ الصراع الظّاهر حيناً، الخفيّ أحياناً « (15).

            ويعتبر يوسف الخال وسعيد عقل من أكثر الشعراء اللبنانيين، بل العرب،  - في مرحلتهما الزمنية الشعرية - تأثّراً بالفكر الأوروبي واتجاهاته وتياراته، وخروجاً بالشعر العربي عن لونه القديم، وحدوده التراثية وصياغته التقليدية. ومن داخل دائرة التأثّر بالفكر الأوروبي وتياراته، يدعوالشاعر يوسف الخال إلى ضرورة تمثّل الحداثة عبر عقليّة حديثة، باعتبار هذه الحداثة موقفاً كيانياً من الحياة. إنّها تتجسّد »في كلّ شيء، لا في الشعر وحده. (وهي) موقف كياني من الحياة في المرحلة التي نجتازها، فهي ليست أشكالاً يقتبسها الإنسان لأنّ المهمّ هوما وراء الأشكال والأزياء. هذا الما وراء هو ما نسميه بالعقلية؛ فإمّا أن تكون ذا عقلية حديثة وإما لا تكون. بمعنى أن تأخذ بالجوهر لا بالمظهر«(16). وهذه العقلية الحديثة لا يكتمل بناؤها العقلي والمعرفي، ولا تصبح حديثة إلاّ إذا انتمت إلى الحضارة الأوروبية، التي هي حضارة الفرنسي والألماني والروسي. ويرى الخال أنّه لا قيمة للإنسان العربي إذا بقي خارج هذه الحضارة، وإذا لم يتفاعل معها ويتأثّر بها (17).
ولذا يتّخذ السندباد المعاصر من الرحلة في أعمال يوسف الخال انفتاحاً صوب العالم،
وصوب هذه الحضارة.

        يقول الشاعر يوسف الخال في قصيدة بعنوان «السفر»:

                                     وفي النهار نهبط المرافئ الأمان

                                     والمراكب الناشرة الشراع للسفر

                                     نهتف يا... يا بحرنا الحبيب! يا...

                                     القريب كالجفون من عيوننا!

                                     نجيء وحدنا!

                             ...

                                     أخبرنا الرعاة ههنا

                                     عن جزر هناك تعشق الخطرْ،

                                     وتكره القعود والحذرْ.

                                     عن جزر تصارع القدرْ،

                                     وتزرع الأضراس في القفار مدناً،

                                     حروفَ نورٍ تكتب السير

                                     وتملأ العيون بالنظر.

                                     بها، بمثل لونها العجيب، يحلم

                                     الكبار في الصغر (17).

                        يقول بيتر باخمان (18): »من الواضح أنّ اللبنانيين الذين يرجعون بأصولهم الأولى إلى الفينيقيين، من الواضح أنّ مجالهم هوالإبحار أوالرحيل عبر البحار». فالسندباد المعاصر ورفاقه البحّارة، عند يوسف الخال، يبحرون صوب حضارة أوروبا - باعتبارها حضارة العلم والمعرفة، والحرية - بمراكبهم التي تحمل الزجاج والصنوبر والحرير والخمور، ثم يبادلون هذه البضائع بمعطيات أوروبا الحديثة من ثقافة وفكر وحضارة. وهذا السندباد هوالآخر فاعل في الثقافة والحضارة الأوروبية، وليس مجرّد مستهلك لها، بل إنّه متكافئ معها أخذاً وعطاءً على مستوى التفاعل التجاري والثقافي؛ ولذا فهوليس مستلباً أمامها، بل فعّالاً فيها ومؤثّراً، بقدر ما هي تؤثّر فيه. وهذا هو جوهر التفاعل الإنساني الخلاّق بين الشعوب والحضارات والثقافات.

            إنّ »التفاعل المفيد بين الثقافات إنّما يتحقق بتكافؤها وقدرتها على تبادل الأخذ  والعطاء. أمّا حين يصبح الأمر هيمنة للثقافة الأجنبية على الثقافة القومية، فإنّ هذا التفاعل يتحول إلى فصام تحاول فيه كل منهما تأكيد ذاتها والتغلّب على الأخرى «(19). وهذا التفاعل عند الشاعر يوسف الخال ليس فصاماً ولا هيمنة، بل تكافؤاً حضاريّاً ومعرفيّاً. يقول في القصيدة نفسها:

                                    إذَّاك نصعد المراكب الحاملة

                                    الزجاج والصنوبر، الحاملة الحرير

                                    والخمور من بلادنا، الحاملة الثمر.

                                    نصيح يا مراكب!

                                    يا سلّماً يرقى بنا،

                                    يصلنا بغيرنا،

                                    يأتي لنا بما غلى،

                                    يأخذ منّا ما حلا.

                                    يا أنتِ يا مراكبُ!

                                    جئناكِ وحدنا (20).

            وتشكّل الرؤية السندبادية عند يوسف الخال وعياً جمعيّاً ورؤية حضارية جمعيّة؛ فهو لا يسافر وحيداً، ولا يؤثّر في الحضارة الغربية ويتأثّر بها وحيداً. إنّه كلٌّ إنساني يمثّل لبنان كلّه. ويستخدم يوسف الخال الضمير »نحن« ليشير إلى هذا الوعي الجمعي بأهمية هذه الرؤية الحضارية، من خلال الأفعال والكلمات الآتية: »نهبط، نهتف، نجيء، نحن، نصعد، بلادنا، نصيح، يصلنا بغيرنا، جئناك... إلخ«. ويغيب الضمير »أنا« من القصيدة ليتحوّل إلى »نا« الدالّة على الفاعلين، وإلى »نحن«. وهذا التحوّل من  الـ»أنا« إلى »نحن«، من الخاص إلى العام، ومن الجزئي إلى الكلّي، إنّها المعاناة معاناة العصر ومعاناة الواقع الجماعية، يعبّر عنها الشاعر حين يتقمّص الكل ويصير ضمير شعبه وعصره« (21).

            وإذ يسافر السندباد وأصحابه إلى جزر جميلة خضراء خصبة، فإنّ هذه الجزر تشير تحديداً عند الخال إلى أوروبا وحضارتها، وعقلها الثقافي المستنير. وهذه الحضارة هي حلم السندباد وجماعته منذ الطفولة، لأنّ الحضر يسكنون بها، ولذا فهم يسافرون إلى هؤلاء الحضر. في حين نجد أنّ الرفاق الآخرين يعيشون خانعين مستسلمين للملل والضجر، رافضين الانفتاح صوب أوروبا. يقول في نفس القصيدة:

                                    رفاقنا الهناك آثروا

                                    الهجير والنقيق والضجرْ،

                                    ونحن نعشق السفرْ.

                                    أخبرنا الرعاة في جبالنا

                                    عن جزر يغمرها المطرْ،

                                    يغمرها الغمام والخزام والمطرْ،

                                    عن جزر يسكنها الحضرْ.

                                    بها، بمثل لونها الغريب، يحلم

                                    الكبار في الصغر.(22).   

            ويشكّل الشاعر يوسف الخال في نهاية قصيدته، لغةً شعرية تشبه إلى حد بعيد لغة البحّارة وهم يجدّفون استعداداً للسفر؛ إذ يستخدم لفظة »هللويا«، وهي قريبة جداً من لغة بعض البحّارة ولغة الصيادين حينما يبدأون الرحلة، ومعروف عنهم في بعض البلدان العربية أنّهم يرددون بشكل جماعي عبارات مثل: » هيلا.. هيلا.. هيلا هوب «.

            وهذه هي الألفاظ الغنائية التي رافقت الملاحم منذ العهود القديمة، والتي هي شديدة القرب من لغة الأساطير والسحر. فالأسطورة كانت في العهود القدي مة ذات طابع غنائي والملاحم كذلك. والأسطورة نفسها تحوّلت إلى ملحمة في حضارة الشرق القديم.(23).

            يقول الشاعر في نفس القصيدة:

                                    ونبدأ السفر:

                                    هللويا!

                                    هللويا!

                                    وفي هنيهة تغيب عن عيوننا

                                    الجبال، والمرافئ الأمان، والمرابع

                                    المليئة اليدين بالزهر...

                                    هللويا!

                                    هللويا!

                                    ونبدأ السفر

                                    وسيرة الرجوع والصراع والظفر (24).

            يعود السندباد ورفاقه من الجزر البعيدة التي يغمرها المطر ويسكنها الحضر، منتصرين ظافرين بمعطيات هذه الحضارة الأوروبية من لغة وثقافات وعادات. من هنا فإن الشاعر يوسف الخال يقدّم إلينا من خلال قصيدته "السفر": » لبنان العريق الذي تجلله الأسطورة كحاضر وموجود. (و) عن طريق اختيار الزمن الذي يروي به يوسف الخال الحدث، يوضّح أنّ ماضي بلاده وحاضرها يتساويان من حيث القيمة، فهي تنطلق إلى إبداع عالمي تاريخي في الماضي والحاضر»(25). يقدّم الشاعر لبنان لوحة جمالية شفيفة في ديوانه الحريّة، ويتغنّى بهذه اللوحة، فلبنان مسرى النور، ويلجأ الخلود إليه، ويشيد مدائن الفكر والمعرفة على شطآنه، حتى أنّ الثقافة الإغريقية وثقافة العالم تتأثر بثقافة لبنان وفكره، إنّه أمل العروبة، وإن تجاهل الآخرون ذلك، الوطن الحضاري العربي الذي يمازج بين العروبة وبين الحضارة الأوروبية، إنّه قبلة المعرفة والجمال، باعتباره منارة للحرية والأحرار والنور، كما يؤكّد الشاعر في قصيدته التالية بعنوان لبنان، إذ يقول فيها:

                                    ولأنت، قبل اليوم، مسرى

                                    النور في درب الليالي

                                    يأوي إليك الخير في

                                    الدنيا، وتحضنك المعالي.

                                    ولطالما لجأ الخلود

                                    إليك يطمع بالوصالِ!

                                                ...

                                    فإذا البحار مراكب

                                    تجري وتهزأ بالمحالِ،

                                    تبني الشطوط مدائناً

                                    للفكر، بعد، وللجلالِ،

                                    وتعلّم الإغريق والدنيا

                                    أساليب المقالِ.

                                    أمل العروبة في يديك

                                    وإن تجاهلت الموالي.

                                                ...

                                    تحمي بقايا النور في الشرق

                                    الجريح من الزوالِ

                                    وتظلّ للأحرار موئلهم

                                    على مَرِّ الليالي.

                                    لبنان، روحي عنك، يا

                                    وطناً تفرّد بالمحالِ

                                    فلأنت أوّل يعربيّ

                                    الوجه غربيّ الخصالِ(26).

            آثرت أن أطيل المقطع الشعري، حتى تبرز معالم هذه اللوحة التي رسمها الشاعر لوطنه لبنان، والتي هي لوحة للحضارة الأوروبية التي يسافر إليها السندباد ورفاقه في قصيدة »السفر« السابقة. لكنّ هذه اللوحة لوحة عربية التأسيس، جمعت ما في الحضارة العربية من قيم جمالية، بـ حضارة أوروبا وخصالها.

            يسافر السندباد المعاصر إلى أوروبا، ويعود غانماً ظافراً. وتبدوالإشارة إلى هذه العودة السندبادية من أوروبا إلى لبنان، واضحة في قصيدة للشاعر يوسف الخال بعنوان  »العودة«، إذ تحلم امرأة جميلة بعودة »سيّدها« محمّلاً بالذهب والفضّة من مجاهل بعيدة، تجثم وراء قبرص وقرطاجنة. هذه المجاهل هي تحديداً مجاهل أوروبا والغرب؛ إذ يعود هذا الحبيب »السيد« مكلّلاً بالجواهر الغريبة التي تضيء يديه وتاجه، وهذه الجواهر بدورها تشير إلى معطيات أوروبا الحضارية من فكر وفن وعلم ومعرفة. يعود هذا الحبيب بوجهه الشامخ كالجبل، عميقاً، مليئاً بالمعرفة وثراء التجربة الفكرية التي اكتسبها من بلاد ما وراء قبرص وقرطاجنة. إنّها عودة سندباد فرد معاصر، مكتنز مليء بالرقي والحضارة وكنوز المعرفة. لكنّها في النهاية هي عودة العرب اللبنانيين من أوروبا إلى لبنان.

            وفي النصّ الشعري » تعيّن اللغة الشعرية إمّا شيئاً خاصّاً (ملموساً وفرديّاً،  وإما شيئاً عامّاً. بصيغة أخرى، (و) يكون مدلول اللغة الشعرية إمّا مقولة خاصّة (ملموسة وفردية) وإمّا مقولة عامّة حسب السياق…«(27). وهذه المقولة العامّة التي يريد الشاعر الخال  أن يؤكّدها في قصيدته »العودة«، هي غنى وثراء التفاعل الحضاري المثمر بين ثقافة لبنان وحضارته وبين حضارة أوروبا ومعارفها. يقول في قصيدة العودة:

                                    غداً يعود سيّدي

                                    شراعه كغيمة بيضاء عند الشّفق.

                                                ...

                                    يعود، يا هلا!

                                    من المجاهل الوراء قبرص الحبيبة،

                                    الوراء قرطاجنّة، يعود لي:

                                    جبينه العريق وجه جبل،

                                    وزرقة الخضمِّ، عمقه السحيق

                                    في عيونه. يعود لي:

                                    محمّلاً بالذّهب،

                                    بفضّة تُصاغ للهياكل.

                                                ...

                                    محمّلاً يعود سيّدي

                                    بالعاج صولجان ملك، سريره

                                    بالجوهر الغريب خاتماً له،

                                    فرائداً لتاجه

                                    محمّلاً يعود سيّدي

                                    بالشوق لي، والأمل(28).

            وعندما يطمح الشاعر يوسف الخال إلى معارف أوروبا وحضارتها، فإنّه يقف أيضاً في سلّم هذه الحضارة، مواكباً وندّاً لها، فهو يرى أنّها حضارة العرب أيضاً، لأنّهم أسهموا في بنائها وثرائها المعرفيّ عبر إحدى مراحل التاريخ الإنساني. يقول:

» إنّ هذه الحضارة هي نحن بقدر ما هي هم. فقد أسهمنا في بنائها في مرحلة من تاريخنا،  ولن يكون لنا مستقبل ما لم نعد إلى الإسهام فيها من جديد. فالحضارة الإنسانية واحدة، ونحن ننعتها بالغربية أوالأوروبية لأنّ الغرب أو أوروبا قد أعطتها في الألف سنة الأخيرة أكثر مما أعطتها أيّة منطقة جغرافية أخرى. ثم إنّ هذا النعت شكليّ لا جوهريّ. إنّه تعبيري(...) إنّ الحضارة الغربية ه