العدد العاشر - ربيع 2010م

   
 

 متابعات
 

 قراءتان في «كتاب الأم» لـ عبد العزيز المقالح (لقراءة المقال بصيغة أكروبات)
     

(1) من تخيط الحياة بإبرة الانتظار وخيط المغفرة

عارف حمزة
كاتب من العراق
 

يمكن القول بأنّ صدور كتاب كامل لا يحتوي سوى قصائد للرثاء يُعيد الشعر إلى خانة الأغراض القديمة من كتابته: الفخر والمدح والغزل والرثاء... وبذلك يشبه الكتاب، كونه في رثاء شخص واحد، إلى حدّ ما، كتابة قصيدة طويلة واحدة من عشرات الأبيات، خاصة أنّ الرثاء، قديماً، لم يكن فقط لملك أو أمير، بل اشتهر الكثير من القصائد التي رثت الابن أو الزوج أو الأخ أو الحبيب... وحتى النفس. ولكن الشاعر اليمني المعروف عبد العزيز المقالح لم يكن كذلك تماماً في مجموعته الشعريّة الجديدة "كتاب الأم"، الصادرة حديثاً عن الهيئة العامّة السوريّة للكتاب؛ فهو يرثي كلّ شيء في طريقه لرثاء أمه، ويمكن أن يصل ذلك إلى رثاء أيّة أم، بلغة شعريّة حديثة تحتوي الكثير من اليوميّ في الفقد. والكتاب، بهذا الشكل، يبدو مثل رواية، أو رسالة طويلة، تبدأ بـ«الفاتحة» التي تسبق القصيدة الأولى وتنتهي بالخاتمة، كتبها الشاعر السوري سليمان العيسى مشاركاً في رثاء والدة صديقه المقالح، التي تلي القصيدة الأخيرة، وهي القصيدة الرابعة والخمسون.
الكتاب كلـّه مؤلم ومرير، وتبدأ تلك المرارة منذ الأسطر الأولى في قصيدة «الفاتحة»:

 
لم يكن غير دمعي البريء

جرى فوق ماء السطور

وشكـّلَ في لحظةٍ

لونَ يُتْمي.

 

وهو مفتتح يشبه الوقوف على الأطلال كما في القصائد الجاهليّة. وهنا يقف المقالح أيضاً على الأطلال؛ ولكن على أطلال النفس، من دون مَن حملها واعتنى بها ووهبها، على الأقل، الحياة؛ وكذلك أطلال العلاقة مع الآخر المفقود، وأيضاً أطلال المكان الذي خرِبَ بفقدان من كانت تؤثثه وتؤنسه بالأنفاس والأشغال والقصص والعناية والانتظار. إذ إن هذا المفتتح يطولُ ليشمل كلّ الكتاب. فبدا المفتتح وكأنـّه كلّ الكتاب. بمعنى آخر: بدا أن الكتاب يذهب ليقول كلّ ذلك الفقد الذي تتجرعه الأماكن والذكريات والأشخاص والأشياء، بفقدان تلك الكتلة الكبيرة والنفيسة من الحياة، التي كانت تطلّ وترافق عادات وحنان الأم، مثلما هو واضح من القصيدة الأولى:

أين أرمي برأسي؟

على أيّ صدرٍ

وقد رحلتْ عن تخوم المدينة

كلُّ الجبال،

وكل الغيوم

وغاب الفضاءُ الذي صنعتـْهُ

من الحب أمي؟!

فالقصيدة الأولى تتحدث، كمفتتح إضافي، كرواية وتسلسل للأحداث، عن وصول ملك الموت وتجواله حول البيت، وفي البيت، كي يقطف تلك الزهرة البريّة التي تصنع رحيقها لغيرها وترفو حياتها، في ابتعاد الأولاد بسبب أشغالهم، بإبرة الانتظار وبخيط المغفرة. ولكي تكتمل الصورة، كان على المقالح أن ينظر إلى ملك الموت ولكن بعينٍ جديدة وراضية؛ في أن يصفه ويجسده كمرافق أخير يعتني بها من بعدهم:

 

ملكُ الموتِ كان هنا

يتجوّلُ منذ أسابيع

ينحتُ صفصافة البيت

نعشاً لأمي (ص9).

 

وبعد القصيدة الأولى، التي بدأت بنقطة الذروة، وهي الموت، يبدأ المقالح باستعادة تلك السيرة الكبيرة للأم الكبيرة التي كانت، لفرط حنانها ورقّـتها وخفة جسدها الذي لا يتعب، تشبه روحاً؛ فهي أصلاً كانت روحاً تتجول في البيت وتـُعِدُّ الحياة لأبنائها وللزوج الغائب وللحقل ولحيواناتها... إنّ لها حياة عليها أن تـُمضيها كروح تعطي ولا تنتظر المقابل، تسهر ولا تنام، تطمئن إلى شبع أولادها ثم تفكر بالأكل؛ كروح تستيقظ كي تدور حول فكرة حياة قليلة، هي كفاف حياتها، تحيط بهم فقط.

 كانت الروحُ كلَّ صباحٍ

إذا استيقظتْ

تتوجهُ راكضة نحو غرفتها المستديرة

كي تستحمَّ بماء البراءة

تغسلُ أوضارَها

ثم تلبسُ نبضاً طرياً

وتأكلُ زاداً يُهيّئها

للنهار الجديد (ص32).

 

هذا الفقد، وهذا الشعر الغنائيّ الذي يؤلفه الفقد، يليق بامرأة قضت حياتها كأم وأب بنفس الوقت. فالمقالح يعطينا أسراراً عن سيرة العائلة، التي لا نعرفها، شعراً؛ فالشاعر عندما وُلد كان والده يبدّد زهرة شبابه في السجن، جيئة وذهاباً إليه؛ عن الثورة، وعن «جثـّة» صنعاء التي كان يتناهبها أشباح غامضون يأتون في الليل كي ينهشوا أولئك الجياع والخائفين؛ عن أولاد صغار وبريئين عرفوا كلمة «السجن» وكلمة «الموت» ومعنى الانتظار ومعنى الخوف وثقل الدموع والوحشة... قبل أن يعرفوا معنى كلمات مثل «أبي» أو «الخبز» أو «الحنان» أو «السعادة»...

كان أبي حين دخلتُ إلى

هذا العالم

يقضي زهرة أيام العمر

سجيناً

يتوسّلُ جدران «القلعة»

أن تفتحَ نافذة ليراني

ويرى أمي وهي تداعبُ وجهي

تغسلهُ بدموعٍ نافرة

من عينين مقرّحتين (ص 46).

 

وعلينا أن نقدّر وزن تلك المرأة، المفقودة، وهي تعيش وحيدة مع أطفالها الصغار، خائفة من الأخبار الغامضة التي قد تأتي على هيئة وحش من جهة «القلعة»؛ خائفة من خوف أولادها، من يد قد تمتدّ، على غفلة منها، وتأخذ مجّاناً ما أنفقت عليه دماً كثيراً وخوفاً كبيراً؛ خائفة من المجهول الذي لا بدّ أن يأتي في أشرس وجوهه؛ لذلك كانت تفرط في الصلاة والخير والأمل والتمائم والانتظار الثقيل وسؤال الموتى عن أحوال أحبـّائها إذا ما كانوا على قيد الحياة. وكان عليها فوق ذلك ألاَّ تنكسر، وأن تبقى قويّة كي تزرع الأمل في نفوس الأولاد، كما تزرع الحقل، الوحيد من دون صاحبه، وتطحن الحبوب وتـُطعمهم خبزاً مملـّحاً بالدموع. علينا أن نعرف، وهو ما أراده المقالح طوال أكثر من مائة وخمسين صفحة من الشعر المؤلم، أنّ كلّ هذا الكتاب ليس سوى أقل من صفحة في حياة تلك المرأة، وأنـّه تذكـّر القليل مما لا يمكن نسيانه أبداً.

يفتحُ الموتُ باباً إلى الحزن

لا ينتهي لمكانٍ

ولا يفتحُ البابَ إلا إليه

يقولون لي: سوف تنسى...

مضى الوقتُ مذ رحلتْ

والدموعُ التي تتحجَّرُ في القلب

صاحيةٌ

ليس تنسى

وليس تنام! (ص 58).

 

«كتاب الأم» هو رثاء مرير وطويل لشخص لا يمكن فقده هكذا بسهولة، كما لا يمكن استعادته بكل هذا التذكـّر وهذا النحيب وهذه الدموع؛ ولكنه شخص يستحق كل ذلك الرثاء وتلك المرارة وهذا الشعر.
 

 

 


 (2) كتاب الأم ... حكاية روح نبيلة

آمنة الهتار
كاتبة من اليمن

"كتاب الأم" هو عنوان ديوان الدكتور عبدالعزيز المقالح، صدرت الطبعة الأولى منه عام 2009، وقد لفت إليه أنظار النقاد والباحثين بما يحتويه من خصوصية واضحة ونادرة شكلت حزناً ثقيلاً على روح الشاعر وروح القارئ في آن واحد. فالموت ظاهرة إنسانية قديمة تتسم صورها بالحزن والأسى  والألم والدموع والضياع والهزيمة... إلخ. ولا شك أن لغة المقالح القوية في هذا الديوان مرتبطة بتجربته وعلاقته بالواقع ورؤيته للحياة.

لست وحدي

 معي حبها وفضاءٌ من الذكريات،

 معي قبرها

 كلما ضاقت الأرضُ بي

 واحتواني دخان الحياة

 ذهبت إليه

 وألقيت رأسي بجنب الضريح.

 

هكذا صاغ لنا المقالح الصور البديعة الإيقاعية التي تجسد حقيقة الموت المفجعة، والتي تتناغم مع مشاعره المتألمة التي تكابد الحزن والفراق والوحدة، بعد موت أمه الحنون، المعطاءة، حبيبة روحه ورفيقة دربه في هذه الحياة القاسية التي لا ترحم أحداً.

 وتظهر روح الشاعر مترجية ومتمنية وهي تركع على ركبتيها تطلب من عظمة الموت صاحب السيادة والسمو أن يتجمل ويبقي صوت أمه العذب، وحنانها الفائض، وضحكتها الرقيقة. كما تطمح روح الشاعر هنا إلى رحلة روحانية عاطفية تجمعه مع أمه الحنون، ينسى بها الحزن والكآبة القاتمة التي تسيطر على وجدانه المتألمة.

 

ليت أنك يا موت

 أبقيت لي صوتها

 وحنان يديها

 وضحكتها

 والحنين لرحلة صيف

 إلى ماء قريتها

 لترى ما الذي أبقت الأرض

 من أغنيات الجداول!

 لقد هيمنت الرؤى الحزينة والشفافة على كل صفحة من الديوان، تصور فيه فاجعة الموت وآثاره في النفس البشرية. وما كانت هذه الرؤى المبثوثة وليدة الصدفة والعشوائية، بل كانت نتيجة للتفاعل النفسي والألم العميق الذي يعانيه المقالح أثناء تجربته الشخصية التي اكتسبها من صور الواقع المحيط به. وما يلفت النظر حقاً هو إجادة شاعرنا المتمرس محاكاة الواقع برؤى صادقة وقوية تجسد ما تعانيه الأمة من أحزان قومية ينفطر لها القلب حزناً وتدمع لها العين أسفاً.

 

فجأة تكلمتْ:

 

هل رجعتْ بغداد؟

 

قلتُ لها:

 

سمعت أطفالاً

 

تضيء غبطة الكلام في ألفاظهم

 

يرددون أنها عادت

 

ويكتبون في المصابيح وفي الحصى

 

صورتها الجديدة

 

لم يفصح الأطفال عن عودتها

 

ولا المصابيح

 

ولا الحصى،

 

بغداد في الأسر كما كانت.

 

لكن أمي ابتسمت

 

قبيل أن يميل جفنها

 

وتلفظ الأنفاس!

 

لقد استخدم الشاعر أسلوب التصوير المباشر الذي يتوالد تلقائياً بطريقة موضوعية تكشف لنا عن المعاناة الكبيرة التي يعانيها في هذا العالم، ويربطها بمعاناته الخاصة مع أمه الحنون وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة.

 ولقد أشار الشاعر إلى العلاقة القوية التي تربط الأم بالأبناء، فالعلاقة قوية ومترابطة، يجتمع فيها الحب والمودة والرحمة والتوحد الذي يؤدي إلى الحميمة والسعادة الحقيقية. فالأم الحنون هنا هي أم مثالية وطنية تربي أبناءها على حب الوطن والتضحية من أجله بكل رخيص وغالٍ.

 

كنا

 

أنت وأنا

 

وأخي

 

نتجمع حول بقايا دفء التنور

 

-شتاءً-

 

نبدأ سهرتنا في العتمة

 

بأناشيد الوطن

 

المورق بالكلمات:

 

«بلادي بلادي

 

فداك دمي»...

 

 

إن الأم هي العمود الفقري للأسرة، فإذا صلح العمود صلحت الأسرة ونجحت في حياتها وأصبحت مثلاً يقتدى به، وإذا عوج العمود اعوجت الأسرة وسقطت على الأرض متناثرة الأشلاء. فتأثير الأم على أبنائها كبير وفعال، فهي تغرس فيهم الحب والمبادئ السامية والخيرية التي تساعدهم على مواجهة الحياة بكل صعابها المختلفة.

 وتظهر الأمومة عند المقالح بنماذج متعددة، فهي الأم الحنون، والأم الوطن، والأم الأمل، والأم المعلمة... وتمثل الأم في حياة الشاعر كل شيء جميل ورائع، فهي أم نموذجية للجميع، عاشت من أجل رعاية الأبناء وتربيتهم وزرعهم في هذه الأرض الطيبة، لتكون حصيلة جهدها ثمانين عاماً:

 

قلت لربي:

 

حنانك يا رب!

 

في القبر أمي

 

وفي القبر -يا سيدي-

 

طفلة عمرها في سجل الزمان

 

ثمانون عاما

 

أتت ومضت

 

كعبير تسلل من

 

واحة الورد

 

لم تجترح في الحياة

 

سوى الحب للناس!

 

 الموت هو الشاهد الوحيد على نهاية الإنسان، وعلى نهاية هذا الكون، وهو العنصر الأكثر ألماً في هذه الحياة. لقد جسد شاعرنا الموت بصور مختلفة، فهو الألم والفراق والمرض والهزيمة والنهاية والجبن والحزن... إلخ. وقد جذبنا المقالح إلى العالم الآخر، عالم المعرفة والبحث عن الحقائق الوجودية والفلسفية من خلال التساؤلات العديدة:

 

من أين يأتي الموت؟

 

من شيخوخة الجسد الذي

 

جفت به الأحلام؟

 

أم من شيخوخة الروح الذي

 

عشق المنام؟!

 

من أين يأتي الموت؟

 

 

تربط هذه التساؤلات العميقة بين الإبداع الأدبي الفني وبين الإبداع الفلسفي المعرفي، وهو إبداع روحاني يدعو إلى الوقوف مع النفس البشرية في لحظة تأمل وتفكير في ماهية الإنسان في هذا الكون.

 

لقد غنت روح المقالح للأم الحنون بشجن حزين عبر دلالات موحية وصور ساحرة بديعة:

 

كانت الروح كل صباح

 

إذا استيقظت

 

تتوجه راكضة نحو غرفتها المستديرة

 

كي تستحم بماء البراءة

 

تغسل أوضارها

 

ثم تلبس نبضاً طرياً

 

وتأكل زاداً يهيئها

 

للنهار الجديد

 

صارت الروح تستيقظ الآن

 

بعد الرحيل

 

لتركض عارية نحو مقبرة

 

كل سكانها صامتون

 

ينامون في موتهم سعداء.

 

 في المقطع السابق يصور لنا الشاعر حكاية روحه النبيلة التي تستيقظ صباحاً لتركض نحو الأم الحنون لتغتسل في مياه حنانها وبراءتها، وتتزود بالزاد المبارك قبل خروجها من البيت.

 ثم تجسد لنا روح الشاعر حالتها بعد الفراق والموت؛ لقد أصبحت روحاً عارية تفتقر إلى الملابس التي تقيها حرارة الصيف وبرودة الشتاء، كما تفتقر إلى الزاد الذي يساعدها على صيام الأيام الطويلة.

 هكذا تصور لنا روح الشاعر الحزينة المعاناة التي يعيشها بعد وفاة الأم الحنون، وما يكابده من آلام نفسية دون وجود أمٍّ تحنُّ عليه وتواسيه على غدر الأيام والسنين.

وفي الأخير قرر شاعرنا مصالحة الموت الوفي بعد الخلاف الشديد، ومرافقته في كل لحظات حياته، برغم الخوف والرهبة منه.

 

 أيها الموت!

 

أعلم أنك -رغم الخلاف الذي بيننا،

 

رغم خوفي منك- رفيقنا

 

منذ أتيتُ إلى هذه الأرض

 

في لحظة كالخيال

 

وأنت رفيقي

 

تراجع دفتر عمري

 

تشاركني ضحكتي

 

وبكائي

 

وتأكل من طبقي

 

وتنام إذا نمتُ

 

تصحو إذا ما صحوتُ...

 

ولكنني يا رفيقي (الوفي)

 

أخافك

 

أرهب ظلك

 

أخشى على الأهل والأصدقاء

 

وأخشى على الشمس

 

منك

 

وأقرأ في وجهك المتجهم

 

صفرة أيامنا الغاربة...